لم أخسرك… بل فهمتُك متأخرًا
لم يكن ينقصنا الحب… بل كنتُ أطلب له شكلًا لا يشبهه
بعد سنواتٍ طويلة، بعد أن هدأت الضوضاء داخلي وتوقفتُ عن محاولة تفسير كل شيءٍ بعصبيةٍ واندفاع، أدركتُ أخيرًا أنني كنتُ أرى الحب بمنظارٍ ضيقٍ جدًا، كأنني أضعه داخل قالبٍ واحدٍ لا يتغير، كأنني أؤمن أن كل علاقةٍ صادقة يجب أن تسير في اتجاهٍ محدد، أن تكبر، أن تتعمق، أن تنتهي بزواج، وإلا فهي ناقصة أو فاشلة، ولم أكن أعلم أنني بهذا التفكير كنتُ أظلم الكثير من الأشياء الجميلة التي عشتها، كنتُ أختزل المشاعر في نهايتها فقط، لا في رحلتها، لا في التفاصيل الصغيرة التي صنعتها، لا في اللحظات التي لم يكن لها اسم لكنها كانت حقيقية أكثر من أي تعريف
واليوم، عندما أعود بذاكرتي إلى تلك العلاقة التي كانت يومًا أقرب ما يكون إلى روحي، إلى ذلك الشخص الذي شعرتُ معه بأنني لستُ بحاجةٍ لأن أشرح نفسي، بأنني مفهومة دون كلمات، أبتسم بحزنٍ خفيف، ليس لأنني فقدته، بل لأنني لم أفهمه حين كان حاضرًا، لم أفهم أن ما كان بيننا كان كافيًا كما هو، دون أن أضغط عليه ليصبح شيئًا آخر، دون أن أفرض عليه اسمًا أكبر من طاقته، دون أن أحمّله توقعاتٍ لم يكن ملزمًا بها أصلًا، وأتذكر جيدًا كيف كنا، كيف كانت أيامنا تمضي في بساطةٍ عجيبة، نحكي تفاصيل تافهة لكنها كانت تعنينا، نضحك على أشياء لا يراها أحدٌ سوانا مضحكة، نمنح بعضنا ألقابًا سخيفة ونتمسك بها كأنها عالمٌ خاص، كنا قريبين بطريقةٍ لا تحتاج إلى تفسير، بطريقةٍ لا تسأل “ما نحن؟” لأن الإجابة كانت موجودة في الشعور نفسه، لا في الكلمات، لكنني، في لحظةٍ ما، خفت، خفتُ من هذا القرب الذي لا يحمل اسمًا واضحًا، خفتُ من أن يكون بلا مستقبلٍ كما كنت أتصوره، فحاولتُ أن أُعيد تشكيله، أن أضع له عنوانًا، أن أدفعه ليصبح “حبًا” كما أريده أنا، لا كما هو، وكأنني لم أستطع تقبّل أن الحب قد يكون موجودًا أصلًا، لكنه لا يشبه ما اعتدنا تسميته حبًا، وكأنني كنت أعتقد أن الصداقة مهما كانت عميقة تظل أقل، أقل قيمة، أقل أهمية، أقل اكتمالًا، ولم أكن أعلم أنني كنتُ أعيش أحد أنقى أشكال الحب دون أن أدرك، أن الصداقة العميقة ليست مرحلةً قبل الحب، ولا درجةً أقل منه، بل هي أحيانًا شكله الأكثر صدقًا ، الشكل الذي لا يطالبك بأن تكون شيئًا غير نفسك، ولا يضعك تحت ضغط الاستمرار أو الخوف من النهاية، الشكل الذي يكتفي بأن يكون، فقط أن يكون، لكنني لم أتركه يكون، حاولتُ أن أفرض عليه ما في داخلي من تصورات، حاولتُ أن أجعل شخصًا يرى فيّ صديقة أن يراني كما أريده أنا، وهذا، حين أفكر فيه الآن، يبدو مؤلمًا في بساطته، كيف توقعتُ من قلبٍ آخر أن يتشكل وفق قلبي؟ كيف لم أنتبه أن الحب لا يُفرض، وأن القرب لا يحتاج دائمًا إلى أن يتحول إلى شيءٍ أكبر ليكون حقيقيًا؟ وكيف سمحتُ لنفسي أن أهرب من كل ذلك الجمال فقط لأنني أردتُ له نهايةً معينة؟
وعندما انتهى كل شيء، أو بالأحرى عندما تلاشى ذلك القرب بهدوءٍ بعد أن أثقلته بتوقعاتي، كان السبب صغيرًا جدًا، تافهًا إلى درجةٍ جعلتني غير قادرةٍ على تقبّله، ظللتُ أبحث عن تفسيرٍ أكبر، عن سببٍ يبرر خسارة علاقةٍ بهذا العمق، لكن لم يكن هناك شيء، فقط لحظة سوء فهم، أو ضغطٍ زائد، أو كلمةٍ لم تُفهم كما يجب، ومع ذلك انهار كل شيء، وهذا ما جعلني أعلق في تلك النقطة طويلًا، لأنني لم أستوعب كيف يمكن لأمرٍ بسيطٍ أن يُنهي شيئًا كان يعني لي الكثير، وكيف يمكن أن أفقد شخصًا كان يشبهني إلى هذا الحد دون أن يكون هناك سببٌ “كبير” يُقنعني، ومرّت الأيام، ثم الشهور، ثم سنة كاملة وأنا أحمل هذا السؤال دون إجابة، ألوم نفسي أحيانًا، وألومه أحيانًا، وألوم الظروف أحيانًا أخرى، لكن الحقيقة التي لم أرد الاعتراف بها حينها هي أنني كنتُ جزءًا أساسيًا مما حدث، ليس لأنني أخطأتُ فقط، بل لأنني لم أفهم، لأنني حاولتُ أن أجعل العلاقة تسير وفق ما أريده أنا، لا وفق ما كانت عليه فعلًا، واليوم، بعد كل هذا الوقت، أستطيع أن أرى الصورة بشكلٍ أوضح، أستطيع أن أقول إنني فهمت، لكنني فهمت متأخرًا، فهمتُ أن الحب في وقتنا الحالي ليس بسيطًا كما نظنه، ليس خطًا مستقيمًا، وليس دائمًا واضح المعالم، بل هو معقد، متداخل، يتخذ أشكالًا متعددة، أحيانًا يأتي في هيئة صداقةٍ عميقة، أحيانًا في هيئة مرورٍ عابر، أحيانًا في هيئة شخصٍ يترك فيك أثرًا دون أن يبقى، وأنه ليس شرطًا أن يكون الطرف الآخر نسخةً منك، ولا أن يحبك بالطريقة التي تحب بها، ولا أن يريد نفس النهاية التي تريدها، وأن الاختلاف لا يعني الفشل، وأن عدم الاستمرار لا يعني أن ما كان بينكما لم يكن حقيقيًا، بل على العكس، قد يكون حقيقيًا جدًا لدرجة أنه لا يحتاج إلى أن يستمر ليُثبت نفسه، وفهمتُ أيضًا أن ليس كل علاقةٍ خُلقت لتدوم، بعض العلاقات تأتي فقط لتصنع فينا شيئًا، لتفتح أعيننا على جزءٍ من أنفسنا لم نكن نعرفه، لتمنحنا لحظاتٍ خفيفة نعود إليها لاحقًا ونبتسم، حتى وإن لم يعد أصحابها جزءًا من حياتنا، وأن ليس كل حبٍ يجب أن ينتهي بزواج، وليس كل قربٍ يجب أن يتحول إلى التزام، وأن محاولة إجبار الأشياء على الاستمرار قد تكون أحيانًا السبب في نهايتها، وربما أجمل ما أدركته في كل هذا أنني لم أعد أندم، رغم كل ذلك الحنين الذي يمرّ بي أحيانًا كنسمةٍ خفيفة، رغم تلك الرغبة الصغيرة في أن أعرف كيف كان يمكن أن تسير الأمور لو تركتها كما هي، إلا أنني لا أشعر بالندم، لأنني أعلم الآن أنني لو لم أفعل ما فعلت، لو لم أخطئ، لو لم أُصرّ على تحويل تلك العلاقة إلى شيءٍ آخر، لما فهمتُ هذا الدرس أبدًا، لما وصلتُ إلى هذا السلام الذي أشعر به الآن، لما أدركتُ أن الحب لا يُقاس بالنهايات، ولا يُختزل في الاستمرار، بل يُقاس بصدق اللحظات التي عشناها، بعمق الأثر الذي تركه فينا، وأنا اليوم، عندما أتذكره، لا أراه كخسارة، بل كتجربةٍ جميلة، كفصلٍ قصيرٍ لكنه مليءٌ بالحياة، كذكرى تضحكني أحيانًا وتؤلمني قليلًا، لكنها في كل الأحوال تُشعرني بالامتنان، امتنان لأنني عشتُ شيئًا حقيقيًا، حتى وإن لم يدم، وامتنان لأنني أخيرًا فهمت، حتى وإن كان ذلك متأخرًا، أن بعض الناس لا يأتون ليبقوا، بل ليتركوا فينا ما يكفي من الضوء لنرى أنفسنا بشكلٍ أوضح، ثم يرحلون بهدوء، دون ضجيج، تاركين خلفهم قصةً لا تُروى كنهاية، بل تُحكى كذكرى، ذكرى نبتسم لها ونحن نعرف في أعماقنا أنها، رغم كل شيء، كانت كافية






جد معبرة كأنك تتكلمين عني
دائما ما كنت أتساءل، القرب والحب الشديدين بين الذكر والانثى ما الذي يمنع تتويجة بالزواج؟ أعتبريني شخص عديم التجربة، لأنها أيضا قناعتي التي كلما حاولت التمعن و التفرع لا أجد سؤال غيره